أبي منصور الماتريدي
360
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
البشر يأتيها بذلك . وقيل : إنه قال ذلك ؛ تعجبا منه لذلك لما رأى من الفاكهة والطعام في غير حينه غير متغير « 1 » ؛ فقال : أَنَّى لَكِ هذا ؛ تعجبا منه لذلك . ثم قالت : هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ . أي : يرزق من حيث لا يحتسب . قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 38 إلى 41 ] هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ( 38 ) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( 39 ) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ( 40 ) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ ( 41 ) وقوله : هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً . قيل : فعند ذلك دعا زكريا ربه لما كانت نفسه الخاشية تحدث بالولدان تهب له ، لكنه لم يدعو لما رأى نفسه متغيرة عن الحال التي يطمع منها الولد ، فرأى أن السؤال في مثل ذلك لا يصلح ؛ فلما رأى عندها فاكهة الصيف في الشتاء ، وفاكهة الشتاء في الصيف غير متغيرة عن حالها - علم عند ذلك أن السؤال يصلح ، وأنه يجاب للدعاء في غير حينه ، فذلك معنى قوله : هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ « 2 » ، واللّه أعلم . ويحتمل أنه لما رأى ما أكرمت امرأة عمران في قبول دعوتها وتبليغ ابنتها في الكرامة المبلغ الذي رأى فيها مما لعل أطماع الأنفس لا تبلغ ذلك - دعا اللّه - جل جلاله - أن يكرمه ممن يبقى له الأثر فيه والذكر ، وإن كانت تلك الحال حال لا تطمع الأنفس فيما رغب - عليه السلام - مع ما كان يعلم قدرة اللّه - تعالى - على ما يشاء « 3 » من غير أن كان يحس على طلب الإكرام بكل ما يبلغه قدره ، حتى رأى ما هو في الأعجوبة قريب مما كانت « 4 » نفسه تتمنى ، واللّه أعلم بالمعنى الذي سأل . وقوله : رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ .
--> ( 1 ) أخرجه الطبري ( 6 / 358 ) ( 6937 ، 6938 ) عن الربيع وعن بعض أهل العلم . ( 2 ) أخرجه الطبري ( 6 / 360 ) ( 6941 ) عن ابن عباس بنحوه وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 36 ) ، وأخرجه الطبري برقم ( 6940 ) عن السدي أيضا ، وذكره السيوطي بنحوه في « الدر المنثور » ( 2 / 36 - 37 ) عن الحسن . وعزاه إلى إسحاق بن بشر وابن عساكر . ( 3 ) في ب : شاء . ( 4 ) في ب : كان .